الشيخ محمد رشيد رضا

520

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ ) والقرآن يفسر بعضه بعضا كما قالوا . وروي عن ابن عباس ثلاثة أقوال في معنى الابسال - الفضيحة والاسلام للهلاك والحبس في النار ، وكان الأخير جوابه لنافع ابن الأزرق ، قال نافع أو تعرف العرب ذلك في كلامها ؟ قال نعم أما سمعت زهيرا وهو يقول وفارقتك برهن لافكاك له * يوم الوداع وقلبي مبسل غلقا والمعنى وذكر الناس وعظهم بالقرآن اتقاء ان تبسل كل نفس في الآخرة بما كسبت أي اتقاء حبسها أو رهنها في العذاب أو اسلامها اليه أو منعها من نعيم الجنة وتفاديا من ذلك بما بينه الذكر الحكيم من أسباب النجاة والسعادة ، ويؤيد التقدير الأول قوله تعالى ( كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ ) الآية - وقدر بعض المفسرين : مخافة أو كراهة أن تبسل ، وبعضهم : لئلا تبسل ثم وصف تعالى النفس المبسلة أو علل إبسالها بقوله لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ أي ليس لها من غير اللّه ولي أي ناصر ينصرها ، أو قريب يتولى أمرها ، ولا شفيع يشفع لها عند اللّه تعالى ( 40 : 18 ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ ) في يوم وصفه تعالى بقوله ( 2 : 253 لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ ) والامر فيه للّه وحده ( 39 : 45 ) قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً - 2 : 254 مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ؟ - ( 34 : 24 ) ولا تنفع الشفاعة عنده الا لمن أذن له - 21 : 28 وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) فكل نفس تأتيه في ذلك اليوم وهو تعالى غير راض عنها ، فهي مبسلة بما كسبت من سئ عملها ، وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها العدل بالفتح ما عادل الشيء وساواه من غير جنسه كما تقدم في تفسير ( 5 : 98 أو عدل ذلك صياما ، وهو هنا بمعنى الفداء لان الفادي يعدل المفديّ بمثله كما قال الزمخشري ، وعدل هذا يتعدى إلى المفعول به بالباء كما قال في أول هذه السورة ( بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ) فكلّ عدل منصوب هنا على المصدرية لا المفعولية والمعنى : وان تفد النفس المبسلة كل نوع من أنواع الفداء لا يؤخذ منها - أي لا يقع الاخذ منها ولا يحصل - فهو على حد أكل من القصعة ، وسير من البلد